
لقد قيل فيما مضى من تاريخ حريات الإنسان المكبلة من لدن حكام، بعضهم يسمون أنفسهم "روحانيين": إن من يعرف حقيقة. هيّئ له حصاناً لكي يستطيع أن يهرب". أما الآن، وقد زال هذا الكابوس عن منكبي معظم المجتمعات المتحضرة – والمتحضرون في هذا العصر بالغوا في الرد على قوانين ومألوف والأزمان الغابرة بأن جعلوا من الغوغائية والإنفلات وتزوير الامور والكذب بالجملة على الشعور والتاريخ شعاراً يفاخرون به كما لو كان الإنجاز الحضاري الأكبر في تاريخ البشريات الطويل – أما الآن فقد بطل استخدام الحيوان في النقل والإنتقال وأصبح لدى الإنسان وسائل آلية يجوب فيها الأرض من طرف إلى طرف في ساعات قصيرة، تنقل الكذبة ومناصري الحقيقة في آن واحد... الحقيقة والكذب - أو تزوير الحقيقة – كائنان معنويان فكريان متلازمان. فلولا الكذب ما عرفت الحقيقة، ولولا الحقيقة لما كان لها نقيضها، أي الكذب، الذي يعطيها إصالتها وتشهر هي بسلوكه في طريق غير قويم: طريق الضلال والتضليل.